سيد محمد طنطاوي
375
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ووصف - سبحانه - طعامهم بأنه لا يسمن ولا يغنى من جوع ، لزيادة تقبيح هذا الطعام ، وأنه شر محض ، لامكان لأية فائدة معه . قال صاحب الكشاف : الضريع : اليابس من نبات الشبرق ، وهو جنس من الشوك ، ترعاه الإبل ما دام رطبا . فإذا يبس تحامته الإبل وهو سم قاتل . . فإن قلت : كيف قيل : * ( لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ ) * وفي الحاقة ولا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ ؟ . قلت : العذاب ألوان ، والمعذبون طبقات ، فمنهم : أكلة الزقوم ، ومنهم أكلة الغسلين ، ومنهم أكلة الضريع . والضريع : منفعتا الغذاء منفيتان عنه : وهما إماطة الجوع ، وإفادة القوة والسمن في البدن . أو أريد : أن لا طعام لهم أصلا ، لأن الضريع ليس بطعام للبهائم ، فضلا عن الإنس ، لأن الطعام ما أشبع أو أسمن ، وهما منه بمعزل ، كما تقول : ليس لفلان ظل إلا الشمس . تريد : نفى الظل على التوكيد . . « 1 » . وبعد هذا الحديث المؤثر عن الكافرين وسوء عاقبتهم . . جاء الحديث عن المؤمنين ونعيمهم ، فقال - تعالى - : * ( وُجُوه يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ . لِسَعْيِها راضِيَةٌ . فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ ) * . قال الآلوسي : قوله : * ( وُجُوه يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ ) * شروع في رواية حديث أهل الجنة ، وتقديم حكاية أهل النار ، لأنه أدخل في تهويل الغاشية ، وتفخيم حديثها ، ولأن حكاية حسن حال أهل الجنة ، بعد حكاية سوء أهل النار ، مما يزيد المحكي حسنا وبهجة . . وإنما لم تعطف هذه الجملة على تلك الجملة ، إيذانا بكمال التباين بين مضمونهما . . « 2 » . أي : وجوه كثيرة تكون يوم القيامة ، ذات بهجة وحسن ، وتكون متنعمة في الجنة بما أعطاها - سبحانه - من خير عميم ، جزاء عملها الصالح في الدنيا . * ( لِسَعْيِها راضِيَةٌ ) * أي : لعملها الذي عملته في الدنيا راضية ، لأنها قد وجدت من الثواب عليه في الآخرة ، أكثر مما كانت تتوقع وترجو . فالمراد بالسعي : العمل الذي كان يعمله الإنسان في الدنيا ، ويسعى به من أجل الحصول على رضا خالقه ، وهو متعلق بقوله * ( راضِيَةٌ ) * . وقدم عليه للاعتناء بشأن هذا السعي . وقوله - تعالى - : * ( فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ ) * بيان لسمو مكانتهم . أي : هم كائنون في جنة
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 742 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 30 ص 114 .